عبد الرحمن السهيلي
247
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
العدد والعدة ، فيقول : خلوا سبيلها فإنها مأمورة حتى بركت بموضع مسجده ، وقال : تحلحلت ورزمت وألقت بجرانها أي : بعنقها ، وفسره ابن قتيبة على تلحلح أي : لزم مكانه . ولم يبرح ، وأنشد : أناس إذا قيل انفروا قد أُتيتم * أقاموا على أثقالهم وتلحلحوا قال : وأما تحلحل بتقديم الحاء على اللام فمعناه : زال عن موضعه ، وهذا الذي قاله قوي من جهة الاشتقاق ، فإن التلحلح يشبه أن يكون من لححت عينه : إذا التصقت ، وهو ابن عمي لحاً . وأما التحلحل : فاشتقاقه من الحل والانحلال بين ، لأنه انفكاك شيء من شيء ، ولكن الرواية في سيرة ابن إسحاق : تحلحلت بتقديم الحاء على اللام ، وهو خلاف المعنى إلا أن يكون مقلوباً من تلحلحت ، فيكون معناه : لصقت بموضعها ، وأقامت على المعنى الذي فسره ابن قتيبة في تلحلحت . وأما قوله : ورزمت فيقال : رزمت الناقة رزوماً إذا أقامت من الكلال ونوق رزمى ، وأما أرزمت بالألف ، فمعناه : رغت ، ورجعت في رغائها ، ويقال منه : أرزم الرعد ، وأرزمت الريح قاله صاحب العين ، وفي غير هذه السيرة : أنها لما ألقت بجرانها في دار بني النجار جعل رجل من بني سلمة ، وهو جبار بن صخر ينخسها رجاء أن تقوم فتبرك في دار بني سلمة ، فلم تفعل . المربد وصاحباه وقوله : كان المسجد مربداً . المربد والجرين والجرن والمجرن والمسطح وهو بالفارسية : مشطاح والجوخار والبيدر والأندر لغات بمعنى واحد للموضع الذي يجعل فيه الزرع والتمر للتيبيس ، وأنشد أبو حنيفة في المسطح لتميم بن مقبل : ترى الأمعز المحزوّ فيه كأنه * من الحرّ في نحر الظّهيرة مسطح قال : والمحزو من : حزوت الشيء : إذا أظهرته . والمسطح هو بالفارسية : مشطح ، وأما المسطح الذي ، هو عود الخباء فعربية . وذكر أن ذلك المربد كان لسهل وسهيل ابني عمرو يتيمين في حجر معاذ ابن عفراء ولم يعرفهما بأكثر من هذا ، وقال موسى بن عقبة : كانا يتيمين في حجر أسعد بن زرارة وهما ابنا رافع بن عمرو بن أبي عمرو بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار شهد سهيل منهما بدراً ، والمشاهد كلها ، ومات في خلافة عمر يشهد سهل بدراً ، وشهد غيرها ومات قبل أخيه سهيل . بنيان المسجد : فصل : وذكر بنيان المسجد إلى آخر القصة ، وفي الصحيح أنه قال : يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا حين أراد أن يتخذه مسجداً ، فقالوا : لا ، والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ، وفي رواية أخرى في الصحيح أيضاً : ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً ، فقالا : بل نهبه لك يا رسول الله ، ثم بناه مسجداً ، وقد ترجم البخاري على هذه المسألة لفقه ، وهو أن البائع أولى بتسمية الثمن الذي يطلبه ، قال أنس : وكان في موضع المسجد نخل وخرب ومقابر مشركين ، فأمر بالقبور فنبشت وبالخرب فسويت ، وبالنخل فقطعت . ويروى في هذا الحديث نخل وحرث مكان قوله : وخرب ، وروي عن الشفاء بنت عبد الرحمن الأنصارية قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم حين بنى المسجد يؤمه جبريل إلى الكعبة ويقيم له القبلة . وذكر فيه قول الرجل لعمار : قد سمعت ما تقول يا ابن سمية . قال ابن هشام : وقد سمى ابن إسحاق الرجل ، وكره ابن هشام أن يسميه كي لا يذكر أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكروه ، فلا ينبغي إذاً البحث على اسمه .